التصنيف: مقالات تعليمية

  • الرافعة المالية بالأرقام: كيف قد تخسر أكثر مما أودعت

    الرافعة المالية بالأرقام: كيف قد تخسر أكثر مما أودعت

    صباح 15 يناير 2015، كان آلاف المتداولين حول العالم مطمئنين إلى صفقاتهم على الفرنك السويسري.

    البنك المركزي السويسري تعهّد لسنوات بإبقاء سعر صرف الفرنك عند حد معيّن أمام اليورو، وبدا الرهان شبه مضمون.

    في دقائق، ألغى البنك ذلك الحد دون أي إنذار، وقفز الفرنك بأكثر من 30% أمام اليورو.

    في ذلك اليوم، لم يخسر كثيرون أموالهم المودعة فحسب، بل استيقظوا مدينين لوسطائهم بمبالغ تفوق ما أودعوه، وبعضهم بأضعاف مضاعفة.

    بعدها أعلن وسيط بريطاني كبير إفلاسه.

    السبب الأساسي في تلك الكارثة كلمة واحدة:

    الرافعة المالية.

    في هذا المقال نشرحها بالأرقام، خطوة بخطوة، حتى تعرف بالضبط ما يحدث لحسابك حين يتحرك السعر ضدك.

    تنبيه: هذا المحتوى تعليمي وليس توصية استثمارية.

    التداول بالرافعة المالية عالي المخاطر، وقد يُفقدك رأس مالك بالكامل.

    الرافعة والهامش:

    الرافعة المالية تعني أن الوسيط يسمح لك بفتح مركز أكبر من المال الذي تملكه.

    رافعة 1:10 تعني أن كل دينار في حسابك يتحكم في 10 دنانير في السوق.

    الوسيط لا يقرضك هذا المال بالمعنى التقليدي، بل يحجز جزء من رصيدك ضمان للمركز.

    المصطلحمعناه ببساطة
    حجم المركزالقيمة الكاملة للصفقة في السوق، وعليها تُحسب الأرباح والخسائر
    الهامش المطلوبالجزء من رصيدك الذي يحجزه الوسيط لفتح المركز. برافعة 1:10، الهامش 10% من حجم المركز
    حقوق الملكيةرصيدك مضاف إليه أرباح مراكزك المفتوحة أو مطروح منه خسائره، أي قيمة حسابك الحقيقية الآن
    نداء الهامشتنبيه من الوسيط بأن حقوق ملكيتك اقتربت من الهامش المطلوب، وأن عليك إيداع المزيد أو تقليص المراكز
    الإغلاق القسريإغلاق الوسيط مراكزك تلقائيا حين تهبط حقوق ملكيتك إلى نسبة محددة من الهامش، دون انتظار موافقتك

    الفكرة الجوهرية: الربح والخسارة يُحسبان على حجم المركز كاملا، لا على المبلغ الذي دفعته هنا يكمن السحر، وهنا يكمن الخطر.

    مثال عملي: ماذا يحدث لحسابك خطوة بخطوة

    أودعت 1000 دينار، وفتحت مركز على زوج اليورو/دولار بحجم يعادل 20,000 دينار برافعة 1:30، وهي أقصى رافعة يسمح بها المنظمون الأوروبيون للأفراد على العملات الرئيسية.

    • الهامش المطلوب: 20,000 ÷ 30 = 667 دينار
    • الرصيد الحر المتبقي: نحو 333 دينار

    الآن يتحرك السعر ضدك:

    حركة السعر ضدكالخسارةحقوق الملكيةنسبتها إلى الهامشما يحدث
    0.5%100 دينار900135%قلق، لا شيء بعد
    1%200 دينار800120%خسرت خُمس حسابك بحركة 1%
    2%400 دينار60090%نداء هامش: أودع أو قلّص المركز
    3.3%نحو 667 دينارًانحو 33350%إغلاق قسري لكل المراكز

    النتيجة: حركة بنسبة 3.3% فقط، وهي حركة قد تحدث في يوم أخبار مهم، أخذت ثلثي رأس مالك.

    لو اشتريت الأصل نفسه دون رافعة بـ 1000 دينار، لخسرت 33 دينار فقط.

    والآن مع رافعة 1:500

    كثير من المنصات العاملة خارج الرقابة الأوروبية تعرض رافعة 1:500 أو أعلى.

    بالإيداع نفسه، 1000 دينار، تستطيع فتح مركز بـ100,000 دينار مقابل هامش 200 دينار فقط.

    لكن كل حركة بنسبة 0.1% ضدك تعني خسارة 100 دينار، وحركة أقل من 1% قد تمحو معظم حسابك.

    الدرس: الرافعة لا تغيّر احتمال أن يكون توقعك صحيح هي تغيّر فقط حجم الثمن الذي تدفعه حين يكون خاطئ.

    كيف تخسر أكثر مما أودعت؟

    في المثال السابق، أنقذك الإغلاق القسري من خسارة كل شيء.

    لكن هذا يفترض أن السعر يتحرك بسلاسة، فيجد الوسيط فرصة لإغلاق مركزك عند المستوى المحدد.

    ماذا لو قفز السعر فجأة؟

    الفجوة السعرية

    أحيانا لا يمر السعر بالمستويات الوسطى، بل يقفز من رقم إلى آخر بعيد دفعة واحدة.

    يحدث هذا عند صدور قرار مفاجئ من بنك مركزي، أو خبر كبير، أو عند افتتاح السوق بعد عطلة نهاية الأسبوع.

    في هذه الحالة، يُغلق مركزك عند أول سعر متاح، لا عند السعر الذي حددته.

    وإن كانت الفجوة كبيرة والرافعة عالية، تصبح الخسارة أكبر من رصيدك بالكامل، فيظهر حسابك بالسالب.

    ما حدث في 15 يناير 2015

    منذ 2011، كان البنك الوطني السويسري يمنع الفرنك من تجاوز 1.20 فرنك لكل يورو.

    صباح ذلك اليوم، ألغى هذا الحد دون أي إنذار مسبق.

    قفز الفرنك بأكثر من 30% أمام اليورو خلال الجلسة، قبل أن يستقر على ارتفاع يقارب 15% في نهاية اليوم.

    لدقائق وكأنه توقف التسعير في السوق.

    النتائج:

    • أعلن وسيط فوركس أمريكي كبير، “FXCM”، أن عملاءه أصبحوا مدينين له بنحو 225 مليون دولار، بعد أن تجاوزت خسائرهم أرصدة حساباتهم، بعضهم بأكثر من 200 ضعف واحتاجت الشركة إلى تمويل طارئ لتستمر.
    • أعلنت Alpari UK إفلاسها، وأوضحت أن أغلب عملائها خسروا أكثر من أرصدتهم، وأن هذه الخسائر انتقلت إليها حين عجزوا عن سدادها.
    • أعلن بنك سويسكوت السويسري أن عملاءه أصبحوا بأرصدة سالبة، وخصص 25 مليون فرنك لتغطيتها.

    بعض الوسطاء، مثل “OANDA”، أعلنوا لاحقا أنهم سيعفون عملاءهم من الأرصدة السالبة الناتجة عن ذلك اليوم.

    لكن هذا كان قرار تجاري، لا حق مضمون للعميل.

    التكاليف المخفية التي تضاعفها الرافعة

    الرافعة لا تضاعف الأرباح والخسائر فقط، بل التكاليف أيضا، لأن الوسيط يحسبها على حجم المركز الكامل لا على المبلغ الذي أودعته.

    ١. فرق السعر (السبريد) الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع تدفعه مع كل صفقة.

    لنفترض، للتوضيح، أنه يعادل 0.02% من حجم المركز.

    على مركز بـ20,000 دينار، هذا 4 دنانير للصفقة.

    إن فتحت 20 صفقة في الشهر، دفعت 80 دينار، أي 8% من إيداعك البالغ 1000 دينار، قبل أن تحقق أي ربح.

    ٢. تكلفة التبييت إن أبقيت المركز مفتوح لليوم التالي، يخصم الوسيط رسم تمويل يومي.

    لنفترض أن معدّله السنوي 5% على حجم المركز.

    على 20,000 دينار، هذا نحو 2.7 دينار يومي أي قرابة 82 دينار شهري، وهي 8% أخرى من إيداعك تذهب حتى لو لم يتحرك السعر.

    الأرقام هنا افتراضية للتوضيح.

    السبريد ورسوم التبييت الفعلية تختلف حسب الوسيط والأداة وأسعار الفائدة، فراجعها في جدول رسوم منصتك.

    الخلاصة: المتداول بالرافعة يبدأ كل شهر بتكاليف ثابتة تُقتطع من رأس ماله، وعليه أن يحقق أرباح تغطيها أولا قبل أن يربح أي شيء فعلي.

    كيف تحمي نفسك؟

    إن قررت التداول بالرافعة رغم كل ذلك، فهذه القواعد تقلل الضرر:

    1. لا تستخدم أقصى رافعة متاحة: كون المنصة تسمح بـ1:500 لا يعني أن تستخدمها. احسب حجم مركزك بنفسك، واجعل الرافعة الفعلية منخفضة.
    2. احسب خسارتك قبل أن تفتح الصفقة: اسأل نفسك كم سأخسر بالدينار إن تحرك السعر 1% ضدي؟ وكم إن تحرك 5%؟ إن كان الرقم يؤلمك، فالمركز أكبر مما يجب.
    3. لا تخاطر بأكثر من نسبة صغيرة من حسابك في صفقة واحدة: قاعدة شائعة بين المتداولين ألا تتجاوز الخسارة المحتملة للصفقة الواحدة 1% إلى 2% من رأس المال.
    4. استخدم أمر وقف الخسارة، واعرف حدوده: يغلق المركز تلقائيا عند سعر تحدده، لكنه لا يحميك من الفجوات السعرية. بعض الوسطاء يعرضون «وقف خسارة مضمون» مقابل رسم إضافي، وهو ينفّذ عند سعرك تماما حتى مع الفجوة.
    5. تجنب إبقاء المراكز مفتوحة قبل الأحداث الكبرى: مثل قرارات البنوك المركزية، أو خلال عطلة نهاية الأسبوع.
    6. تأكد من حماية الرصيد السالب كتابيا في عقد حسابك، قبل الإيداع.
    7. تعامل فقط مع وسيط تحققت من ترخيصه بنفسك من سجل الجهة الرقابية.

    القاعدة الذهبية: لا تداول بالرافعة بمال لا تتحمل خسارته كاملا.

    ولا تداول بها أبدا بمال مقترض.

    أسئلة شائعة:

    هل الرافعة المالية حرام أو ممنوعة؟

    الحكم الشرعي يختلف باختلاف آلية الوسيط، خاصة في مسألة رسوم التبييت والفوائد.

    بعض الوسطاء يقدمون حسابات «إسلامية» خالية منها.

    إن كان هذا معيار مهم لك، فاسأل جهة شرعية موثوقة عن تفاصيل الحساب الذي تنوي فتحه.

    هل يمكن أن أطالَب قانونيا بسداد الرصيد السالب؟

    إن لم تكن محمي بقاعدة حماية الرصيد السالب، فقد يعتبر الوسيط المبلغ دينا عليك ويطالبك به، بحسب عقد الحساب وقوانين البلد الذي يعمل منه.

    ما الفرق بين نداء الهامش والإغلاق القسري؟

    نداء الهامش تحذير يمنحك فرصة للتصرف.

    الإغلاق القسري إجراء ينفّذه الوسيط تلقائيا دون انتظارك.

    في الأسواق السريعة، قد يأتي الثاني بعد الأول بدقائق، أو دونه أصلا.

    هل الرافعة المنخفضة آمنة؟

    أقل خطرا لكنها ليس آمنة أيضا.

    رافعة 1:5 تعني أن هبوط بنسبة 20% يمحو رأس مالك نظريا.

    وهذه حركة ليست نادرة في الأسهم الفردية أو العملات الرقمية.

    لماذا تعرض بعض المنصات رافعة عالية جدا إن كانت خطيرة إلى هذا الحد؟

    لأن الرافعة العالية تعني صفقات أكبر، وصفقات أكبر تعني سبريد ورسوم أكثر لصالح الوسيط.

    وفي الحالات التي يكون فيها الوسيط هو الطرف المقابل لصفقاتك، تصبح خسارتك ربح له.

    المصادر